سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
339
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
العربية وسعّها البدو في البراري والقفار ، وضيقّها الحضر في المدن والأمصار . خذ القياس ودع الناس . لا يحق للمساعي والقياسي أن يمنع أحدهما الآخر . إذا جاز بالسماعي أن ينحرف ، لم لا يجوز بالقياس أن « ينعوج » ؟ العلم قد يكون في الأحداث . ولكن التجارب لا تكون إلا في الشيوخ . بالعدل والمساواة الوفاق والوئام وبالأثرة والأنانية النفرة والخصام . ما أقل المجتهدين في السلف وما أكثرهم في الخلف [ 1 ] من الأدواء والأمراض ما هي عند أكثر الناس نعمة ، تفوق نعمة العافية [ 2 ]
--> [ 1 ] - قال شارحا : كان علماء السلف والأئمة منهم ، لا يجرءون على القول بسنة من سنن الرسول صلى الله عليه وآله إلا بعد التدقيق والنظر في الإجماع وتحري الثقاة من الرواة . . . إلخ . أما الجهلاء من المشايخ المتعممين اليوم ! فتراهم يتهجمون على التحريم للحلال والتحليل للحرام بغير نص ، وقد جهلوا أن مقام التحريم ما جاز لصاحب الشرع الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله إلا بتنزيل لقوله تعالى : « يا أيّها النّبىّ لم تحرّم ما أحلّ اللَّه » [ التحريم : 1 ] . قال : وقد رأيت منذ أيام شيخا بعمامة كالبرج ! وجبة كالخرج ! آخذا بتلابيب رجل - أفندي - قرب جامع السليمانية في الأستانة وهو يهزه ويقول له : إن لبسك هذا القميص حرام وكفر ! لأنه من صنع الإفرنج الكفار ! قال جمال الدين : فما وسعني إلا أن تقدمت إلى ذلك الشيخ الجاهل وقلت له : يا شيخ ، إن عمامتك وجبتك وعمامتي وجبتي ، هم من صنع الإفرنج ، فلماذا لا تخلع عمامتك وترمي بجبتك أولا ؟ ثم تعمد إلى قميص الرجل فتشلحه إياه . وكم من أمثال هذا الشيخ الجاهل في هذه الأمة بهذه الأيام . لا حول ولا قوة إلا باللَّه ! [ 2 ] - قال : في مقدمة تلك الأمراض النفسية - مرض جمع الأموال - إذ يعاني جامعها من المشاق أشدها ويتحمل من المخاطر والمهالك أصعبها وكثيراً ما اتخذ لجمعها أسقط الوسائل وأسلفها ، حتى إذا تسنى له جمعها وكنزها ربما خانته العافية فلا يستطيع تناول غذاء لذيذ ، أو يصرعه الشح فيمنعه من بسيط المأكل والملبس وهو في كل هذا البلاء ، يرى في جمعه المال وكنزه نعمة كبرى ، وكثيراً ما كان المال سبباً لقتل جامعه . وهكذا القول في البنين ( الأولاد ) فإن الأبوين يذوقان في تربيتهم الأمّرين ويستسهلون في سبيل راحتهم كل صعب ويلذ لهم العراء إذا كسوهم والجوع إذا أطعموهم والسهر إذا أناموهم حتى إذا كبروا استثقل بعضهم وجود الأبوين واستطولوا حياتهما ، فسبحان من أودع في كل قلب ما أشغله .